عثمان بن جني ( ابن جني )

121

الخصائص

وتساند إلى سليقيته ونجره " 1 " . وسألت يوما أبا عبد اللّه محمد بن العسّاف العقيلىّ الجوثى ، التميمىّ - تميم جوثة " 2 " - فقلت له : كيف تقول : ضربت أخوك ؟ فقال أقول : ضربت أخاك . فأدرته على الرفع ، فأبى ، وقال : لا أقول : أخوك أبدا . قلت : فكيف تقول ضربني أخوك ، فرفع . فقلت : ألست زعمت أنك لا تقول : أخوك أبدا ؟ فقال : أيش هذا ! اختلفت جهتا الكلام . فهل هذا إلا أدلّ شيء على تأملهم مواقع الكلام ، وإعطائهم إيّاه في كل موضع حقّه ، وحصّته من الإعراب ، عن ميزة ، وعلى بصيرة ، وأنه ليس استرسالا ولا ترجيما . ولو كان كما توهمه هذا السائل لكثر اختلافه ، وانتشرت جهاته ، ولم تنقد مقاييسه . وهذا موضع نفرد له بابا بإذن اللّه تعالى فيما بعد . وإنما أزيد في إيضاح هذه الفصول من هذا الكتاب لأنه موضع الغرض : فيه تقرير الأصول ، وإحكام معاقدها ، والتنبيه على شرف هذه اللغة وسداد مصادرها ومواردها ، وبه وبأمثاله تخرج أضغانها ، وتبعج أحضانها ، ولا سيّما هذا السمت الذي نحن عليه ، ومرزون " 3 " إليه ؛ فاعرفه ؛ فإنّ أحدا لم يتكلّف الكلام على علة إهمال ما أهمل ، واستعمال ما استعمل . وجماع أمر القول فيه ، والاستعانة على إصابة غروره " 4 " ومطاويه ، لزومك محجّة القول بالاستثقال والاستخفاف ، ولكن كيف ، وعلام ، ومن أين ، فإنه باب يحتاج منك إلى تأنّ ، وفضل بيان وتأتّ . وقد دققت لك بابه ، بل خرقت بك حجابه . ولا تستطل كلامي في هذا الفصل ، أو ترينّ أن المقنع فيه كان دون هذا القدر ؛ فإنك إذا راجعته وأنعمت تأمّله علمت أنه منبهة للحسّ ، مشجعة للنفس . وأما السؤال عن علة عدل عامر ، وجاشم ، وثاعل ، وتلك الأسماء المحفوظة ، إلى فعل : عمر ، وجشم ، وثعل ، وزحل ، وغدر ، دون أن يكون هذا العدل في مالك ، وحاتم ، وخالد ، ونحو ذلك ؛ فقد تقدّم الجواب عنه فيما فرط : أنهم لم يخصّوا ما هذه سبيله بالحكم دون غيره ، إلا لاعتراضهم طرفا مما أطفّ لهم من

--> ( 1 ) النجر : الأصل والطبيعة . ( 2 ) جوثة : حىّ أو موضع ، وتميم جوثة منسوبون إليهم . اللسان ( جوث ) . ( 3 ) مرزون : مستندون ، من أرزيت إلى اللّه : استندت . ( 4 ) كلّ ثوب متثنّ في ثوب أو جلد : غرّ ، وجمعه غرور . اللسان ( غرر ) .